وهبة الزحيلي

198

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

فقه الحياة أو الأحكام : دلت الآيات على أن اليهود حكّمت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فحكم عليهم بمقتضى ما في التوراة ، واستند في ذلك إلى قول ابن صوريا ، وأنه سمع شهادة اليهود وعمل بها ، وأن الإسلام ليس شرطا في الإحصان . فإذا ترافع أهل الذمة إلى الإمام : فإن كان ما رفعوه ظلما كالقتل والعدوان والغصب ونحوها من مسائل الجنايات ، حكم بينهم ، ومنعهم منه بلا خلاف . وأما إذا لم يكن كذلك فالإمام مخير في الحكم بينهم وتركه عند مالك والشافعي ؛ لقوله تعالى : فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وهو نص في التخيير . غير أن مالكا رأى أن الإعراض عنهم أولى ، فإن حكم حكم بينهم بحكم الإسلام . وقال الشافعي : لا يحكم بينهم في الحدود . وقال أبو حنيفة : يحكم بينهم على كل حال ؛ لقوله تعالى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ [ المائدة 5 / 49 ] . ودلت الآية على أن التحكيم جائز ، قال مالك : إذا حكّم رجل رجلا فحكمه ماض ، وإن رفع إلى قاض أمضاه ، إلا أن يكون جورا . وقال سحنون : يمضيه إن رآه صوابا . قال ابن العربي : وذلك في الأموال والحقوق التي تختص بالطالب ، فأما الحدود فلا يحكم فيها إلا السلطان . والضابط أن كل حق اختصم الخصمان به جاز التحكيم فيه ، ونفذ تحكيم المحكم به « 1 » . وقال الشافعي : التحكيم جائز ، وهو غير لازم ، وإنما هو فتوى ؛ لأنه لا يقدم آحاد الناس على الولاة والحكام ، ولا يأخذ آحاد الناس الولاية من أيديهم . وظاهر الآية دل على أن المحكّم ينفذ حكمه فيما حكم فيه ، فإن اليهود حكموا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ونفذ حكمه فيهم .

--> ( 1 ) أحكام القرآن : 2 / 619